سعيد حوي

3371

الأساس في التفسير

أي بدينكم وشريعتكم الْمُثْلى أي الفضلى فَأَجْمِعُوا أي أحكموا كَيْدَكُمْ أي ما تكيدون به موسى ، أي اجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي ائتوا مصطفين ، اتفقوا على ذلك لأنه أدل على وحدتهم ، وأوقع في قلوب الرائين وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى أي وقد فاز من غلب ، وهكذا حال أهل الباطل في الظاهر مجتمعون ، وفي الباطن مختلفون ، يتظاهرون بشيء ، ويبطنون غيره ، مولعون بالاستعراضات والمظاهر والمسيرات ، ليغطوا بها ضعفهم النفسي ، ثم توجهوا إلى موسى بالخطاب قالُوا أي السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك أولا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى أي اختر أحد الأمرين : إلقاؤك أولا ، أو إلقاؤنا أولا ، وهذا التخيير منهم أدب حسن معه ، وقد وصلت بركة الأدب إليهم إذ أسلموا بعد ذلك قالَ بَلْ أَلْقُوا أي أنتم أولا ، وذلك ليبرزوا ما معهم من مكايد السحر ، ويظهر الله سلطانه ، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه ، ويسلط المعجزة على السحر فتمحقه ، فيصير آية نيرة للناظرين ، وعبرة بينة للمعتبرين فألقوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي إلى موسى مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى أي تتحرك وتضطرب ، وهو عمل يشبه معجزة موسى في الظاهر ، ويبدو أن سحرهم كان في غاية القوة ، حتى أن موسى نفسه خيل إليه أن حبالهم وعصيهم تتحرك ، ولنا في الفوائد كلام حول السحر والفارق بينه وبين المعجزة فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى أي أحس برهبة بحكم الجبلة البشرية ، أو خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه ، وهذا الذي رجحه ابن كثير ولم يحك غيره قال : ( أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم ) والظاهر الأول وهو الذي قدمه النسفي ، وليس في ذلك منقصة لموسى ، بل هو الكمال ليكون قدوة ، فليس الشأن ألا نحس في الخوف ، ولكن الشأن ألا نستسلم له قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي الغالب القاهر ، أكد له الغلبة بأكثر من مؤكد ، كما هو معلوم في اللغة وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا أي ما زورا وافتعلوا ، أي اطرح عصاك تبتلع عصيهم وحبالهم إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ليس إلا ، وكيد الساحر لا قيمة له وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى أي أينما كان فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي ألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا ؛ فلعظم ما رأوا من الآية وقعوا ساجدين قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا . قال النسفي : فما أعجب أمرهم ، قد ألقوا حبالهم